From :ibrahim_awad9@yahoo.com
Sent : Sunday, January 15, 2006 1:04 AM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : لكل مسيلمةٍ سَجَاح
 

لكل مسيلمةٍ سجاحٌ
الرد على أحمد صبحى منصور
د. إبراهيم عوض


د. أحمد صبحى منصور مدرس سابق فى جامعة الأزهر بدأ حياته التدريسية بمهاجمة ما يسمى بكرامات الأولياء، وانتهى المطاف به إلى اللحاق برشاد خليفة ومرافقته زمنا فى أمريكا ثم انفصل عنه وعاد إلى مصر معلنا رفضه لادعائه الرسالة، إلا أنه عاد بعد زمن إلى أمريكا كرة أخرى بعد أن كان يتعاون معها فى مصر على نطاق واسع، وأخذ يكتب من هناك منطلقا من أفكار رشاد خليفة الرسول الأفاق ويتبنى كل ما كان يزعمه ذلك الكذاب عن نفسه وعن القرآن، وعن الأحاديث النبوية التى ينكرها أشد الإنكار ويرى الأخذ بها وبالشهادة لسيدنا محمد بالرسالة كفرا وشركا، وكذلك عن المسلمين وأنهم جميعا كفار مشركون بدءا من الصحابة حتى يومنا هذا وإلى ما شاء الله، اللهم إلا من تابعه هو ورشاد خليفة فى ضلالهما وفسقهما عن مبادئ الإسلام وعقائده وتشريعاته.

 وفى هذه الدراسة نتناول ما كتب الدكتور منصور متمثلا فى مقالاته التى يجدها القارئ على موقعه فى المشباك. وستكون نقطة البدء المقال الذى كتبه بعنوان "إلى شيخ الأزهر لمجرد العظة والنصح والإرشاد: تعليقا على هجومه على مركز ابن خلدون" مهاجمًا فيه د.محمد سيد طنطاوى لهتكه بعض أستار ذلك المركز الذى كان منصور يتكسب المكاسب الهائلة من ورائه بوصفه "المدير السابق لرواق ابن خلدون والمستشار الإسلامي السابق للمركز" كما كتب هو نفسه تحت اسمه فى عنوان المقال الذى نحن بصدده، إذ كانت أمريكا وما زالت تمده بالملايين حسبما قرأنا فى الصحف مرارا. وقد قام هجوم الشيخ الصغير ضد أستاذه الشيخ الكبير على عدة محاور: الأول تلقيب الناس له بــ"شيخ الأزهر والإمام الأكبر"، والثانى احتكاره تفسير الدين كما يقول، والثالث الادعاء بأنه يكفِّر الآخرين.


وبدايةً لا أحب أن يتوهم القارئ ولو للحظة واحدة أنى هنا بصدد الدفاع عن الشيخ طنطاوى، فليس هذا من أربى فى قليل أو كثير، وبخاصة أنى لا أُعَدّ من المعجبين بالشيخ بأى حال، لكن هذا لا يمنعنى أن أتكلم بما أرى أنه الحق حتى لو جاء كلامى بمحض المصادفة فى صف الشيخ الأكبر، إذ إن عدم حبنا أو إعجابنا بشخص ما لا يعنى بالضرورة أننا ضد كل ما يصدر عنه، فإذا كان ذلك الشخص يتكلم فى قضايا تتفق رؤيتنا مع رؤيته فيها فمن الطبيعى أن ندافع عما يدافع هو عنه، بغض النظر عن الحب والإعجاب أو الكراهية والنفور. إنها مسألة مبدإ أولاً وآخرًا.


وأول شىء أقف عنده هو سخرية الشيخ الصغير المتأمرك من لقب "شيخ الأزهر والإمام الأكبر". ومعروف أن الألقاب هى مجرد مواضعات واصطلاحات، وعلى هذا فليس من الحكمة أن نملأ الدنيا عويلا ونقيم مأتما على لقب أو اصطلاح لا يقدم كثيرا أو يؤخر! وإذا كان منصور يضيق صدرا بلقب "شيخ الأزهر" مثلا، فأى لقب يا ترى ينبغى أن نخصصه للشيخ طنطاوى؟ ذلك أنه لا بد من لقب، فما من وظيفة فى الدنيا أو مركز اجتماعى أو سياسى أو دينى...إلا ولا بد من الاصطلاح له على لقب. والمهم ألا يصادم اللقب عقيدة من العقائد أو يسىء إلى شخص أو طائفة من الناس مثلا أو يستفز الذوق الاجتماعى...إلخ. فماذا يا ترى فى لقب "شيخ الأزهر" مما يحرج صدر د. منصور وضميره؟ لنقرأ ما كتبه منصور فى هذا الصدد: " تقول جريدة الوفد: " طالب فضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الشريف". وأقول ليس فى الإسلام بعد لقب النبي والرسول ألقاب دينية تطلق على أي مسلم، وليس بعد خاتم النبيين عليه السلام "إمام"، إذ أنه عليه السلام هو إمام المسلمين بعده، إذ أن شيخ الأزهر يجعل نفسه "الإمام الأكبر للمسلمين". فإذا كان هو الإمام الأكبر، فماذا أبقى لخاتم النبيين عليه وعليهم السلام ؟".


وسؤالنا إلى سجاح الأمريكية: بأَىِّ كتاب (ولن أقول: "أَمْ بِأَيّةِ سُنّةٍ؟" لأنك ترفضين الإيمان بالسنة بوصفها كفرًا وشِرْكًا يا أيتها الكاهنة التى تكفِّر المسلمين أجمعين!)، بأَىِّ كتابٍ تَرَيْنَ أن لقب "شيخ الأزهر أو الأمام الأكبر" لا يجوز إطلاقه على الشيخ طنطاوى وأمثاله؟ هاتى لنا آية من القرآن، يا من تكررين أنك لا تؤمنين إلا بما ورد فى القرآن، تدل على صدق ما تقولين! وأتحداك أن تجدى مثل هذه الآية ولو طلعتْ روحك من بدنك ورجعتْ إليه مليون مرة! هل كان النبى صلى الله عليه وسلم يلقَّب بــ"شيخ الأزهر" أو بــ"الإمام الأكبر" ونهى القرآن الكريم أن يلقَّب بذلك أى شخص غيره؟ أتحداك يا سجاح أن تأتينا على ذلك ولو بآية واحدة أو بنصف أو بربع أو حتى بعُشْر آية! إن الذى نعرفه أن النبى والرسول محمدا هو آخر الأنبياء والمرسلين، ومع ذلك فقد صدرت الأوامر الأمريكية لمسيلمتك يا سجاح بأن يسرق لقبَ "الرسول" حتى يُحْدِث ثغرة فى جدار الإسلام تهز إيمان المسلمين وتربك عقيدتهم وتشوش عليهم الأمر كله، ثم تابعتِه أنت على ذلك العهر العقيدى يا من تتظاهرين بالشرف (على طريقة توفيق الدقن: "أحسن من الشرف ما فيش"!)، فخالفتما بذلك ما جاء فى القرآن الكريم بتفرقتكما الحلمنتيشية بين النبى والرسول، والزعم بأن رشاد "ساعة لقلبك" إنما هو "رسول" وليس "نبيا"، وذلك حتى تَهْرُبَا من النص القرآنى الذى يقول: "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسولَ الله وخاتم النبيين"، مع أن المقصود هو أن عصر الوحى السماوى قد انتهى بعد مجىء سيدنا محمد برسالته العالمية الخاتمة وإرسائه مبادئ التفكير العقلى المستقيم، وبلورته قواعد السياسة العالمية والأخلاق الإنسانية الرفيعة التى تجمع فى نسيج واحد متلاحم بين المثالية والواقعية، وهى ما يحتاجه البشر على اختلاف أوطانهم وعصورهم وأممهم وثقافاتهم، ولا يقبل تغييرا أو تبديلا إلا إلى الأسوإ كما حدث على يديك أنت ورسولك الكذاب الأشر.
فلينظر القراء الكرام إلى هذين البكّاشين اللذين أسلما نفسيهما إلى الكاوبوى ظانَّيْن أنهما سيجدان عنده المال والسمعة والحماية، فلم ينفع مسيلمةَ شىءٌ من ذلك وقُتِلَ فى مطبخه رغم أنف الكاوبوى ومخابراته وأجهزته الأمنية، ويوم القيامة يشويه الله فى نار جهنم جزاء وفاقا لكفره ومروقه وموالسته مع أعداء الملة والأمة، لعنه الله ولعنهم معهم لعنا كبيرا وفضحهم دنيا وأخرى، وعجَّل بإلحاق الهزيمة بهم على يد أشاوسة المسلمين فى العراق وأفغانستان وفلسطين، تلك الهزيمة التى نرجو ألا تقوم لهم بعدها قائمة، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء، ويخزى وجوه الكافرين المُسَيْلِمّيين ويقتلهم من الرعب والغم والنكد قبل أن تصل إليهم يد القصاص جزاء خيانتهم وانحيازهم لأعداء الدين والوطن ومدّهم يد العون لهم ضد القرآن والإسلام والمؤمنين به. والعجيب من سَجَاحنا بعد ذلك كله حرصُها على إضافة الألقاب لنفسها، فهى تكتب تحت اسمها فى عنوان المقال الذى ننظر فيه أنها "المدير السابق لرواق ابن خلدون والمستشار الاسلامي السابق للمركز". فكيف تحللين لنفسك أيتها الكاهنة سجاح ما تحرِّمينه على الشيخ طنطاوى؟ ألأنك تَأَمْرَكْتِ تَرَيْنَ أن من حقك كسر القوانين التى تسنّينها أنت نفسك دون أن يكون لأحد أية صلاحية لمساءلتك؟ لا يا سجاح، هذا لا يصحّ!
ليس ذلك فحسب، بل إن الست سجاح الكاهنة تدَّعِى لنفسها القدرة على التنبؤ، فى الوقت الذى تنفى فيه نفيا قاطعا جامعا مانعا أن يستطيع الرسول الأكرم معرفة أى شىء من أنباء الغيب، مع أن القرآن الكريم يذكر أن الله سبحانه قد يطلعه على بعض هذا الغيب إكراما له أو تثبيتا لنبوته أو تدعيما لإيمان المؤمنين أو تحديا لشرك المشركين...! يقول متنبئنا المحروس فى نفس المقال الذى يهاجم فيه الشيخ طنطاوى: "لقد تنبأتُ سنة 1991 بالتدمير الذى سيحدث للعراق، وهو ما يحدث الآن. وقبلها سنة 1982 فى خاتمة كتابي "السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة" تنبأت بأن الصدام سيحدث بين الشباب المتدين والسلطة المصرية إذا لم يتم تنقية التراث من تلك الأحاديث الكاذبة (لا تقصد سجاح تنقية التراث من بعض الأحاديث، بل من السنة النبوية كلها على بكرة أبيها لأنها عندها، وعند رسولها الكذاب الذى يصلى الآن بمشيئته تعالى جحيم النار فى قعر جهنم، كفر وشرك وإثم)، وحدث ما توقعت بعد عشر سنين من صدام بين السلطة والشباب المتدين خلال النصف الأول من عقد التسعينيات. وأنا الآن فى غربتي عن بلدي الحبيب أخشى من نبوءة ثالثة: إننا إن لم نصلح أمرنا بأيدينا فسيأتي الدمار. فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمرى الى الله. إن الله بصير بالعباد".

 هذا العريان الطـ..ـز، الذى يحب التجميز، يرى أنه قادر على التنبؤ، لا نبوءة واحدة بل ثلاث نبوءات فى عينه وعين كل عدو للإسلام والمسلمين، كل نبوءة تنطح النبوءة التى قبلها، أما رسول الله فقد أصدر "جنابُه الواطى" هو ومسيلمته بشأنه فرمانا كاوبوويًّا بأنه لا ولن يعرف شيئا من أمور الغيب (من خلال وحى السماء طبعا، فنحن لا نؤمن بأنه يعرف الغيب من تلقاء نفسه)! وبالمناسبة فإن سجاح كانت قد أعلنت فى بداية المسرحية الهزلية أنها لا توافق مسيلمة على دعواه الرسالة، لكن بعد اجتماع الخيمة التى طيَّبها لها مسيلمة بالطيوب الحادة النفاذة التى تعمل عمل السحر فى النساء، وبعد...وبعد...عادت فسلمت قلاعها له! مبارك عليك يا سجاح تسليم القلاع! أما الخطوة الثالثة فقد تكون ادعاءها النبوة ذاتها، ويومها لن يعزّ عليها أن تتنصل مما قالته هى ومسيلمتها من قبل، إذ من الممكن جدا أن تقول إن النبوة التى تدّعيها تختلف عن النبوة التى كانت تقول إن محمدا قد وضع بمجيئه بدعوته حدا لها! ألم تقل هى ومسيلمتها إن النبى هو من يأتى بكتاب نبوءات؟ فها هى ذى تتنبأ، وتأتى تنبؤاتها كفلق الصبح! لا أطلع الله عليها صبحا، ولا جعلها تبصر مساء! وعلى أية حال فالشيخ طنطاوى، الذى لا أُحِبّه ولا أُعْجَب به حتى مذ كان مفتيا، لم يطلق على نفسه أى لقب، بل الآخرون هم الذين يطلقون هذه الألقاب عليه. وفى سياقنا هذا نجد أن صحيفة "الوفد" هى التى سمته: "شيخ الأزهر" و"الإمام الأكبر"، أما مسيلمة وسجاح فهما اللذان يحرصان على إطلاق الألقاب على نفسيهما، حتى لو كانت ألقابا كفرية كلقب "الرسول"، الذى يمكن أن يتلقب بعده الشيخ أحمد بلقب "النبوة" إذا ما اقتضت ظروف الخيانة والعداء لدين محمد صلى الله عليه وسلم أن يعلن النبوة بدوره! ألم يكن يعترض فى البداية على ادعاء رشاد "ساعة لقلبك" بأنه رسول، ثم لَحَسَ هذا الاعتراض وأصبح الكاهن الأكبر فى معبد المغدور الكافر عليه لعنة الله؟ فما الذى يمنعه من أن ينتقل من هذا إلى ادعاء النبوة لنفسه؟


أما النقطة الثانية التى يهاجم شيخَ الأزهر بسببها فهى قوله إن الشيخ طنطاوى يحتكر الكلام فى الدين لنفسه. ولست أظن أن هناك مسلما يستطيع أن يدعى احتكار الكلام فى الدين الذى تريد سَجَاحنا، ومن قبلها مسيلمتها، أن يحتكراه لنفسيهما دون البشر أجمعين على ما فى موقفهما من اتباع للهوى الشارد الساقط الذى لا تضبطه أصول علمية أو تحرّجات أخلاقية، بل يخضع لانفلات مهووس يأبى إلا ادعاء الرسالة ذاتها تقف وراءه وتشجعه وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وكذلك ادعاء المقدرة على التنبؤ على ما رأينا فى كلام منصور منذ قليل. على أن ليس معنى هذا أن الكلام فى الدين ينبغى أن يُتْرَك سداحَ مداحَ لكل من هب ودب، بل لا بد من اقتصاره على من تؤهله طبيعة دراسته للخوض فى مثل هذه الدراسات التى تحتاج إلى التخصص فيها شأنها شأن أى حقل آخر من حقول العلم، سواء كان التخصص رسميا أو أخذه الكاتب على عاتقه فتخصص فى هذا الموضوع من تلقاء نفسه وحرص بكل ما يستطيع من جهدٍ على التعمق فيه. ومع ذلك كله فالواقع الذى لا يستطيع أكذب كذوب أن يمارى فيه هو أن أحدا لا يستطيع أن يمنع أحدا من الكلام فى الدين، وسجاحنا نفسها أكبر برهان على ما نقول، فرغم أن الجميع يعرف ارتباطها بأمريكا وأهداف أمريكا فى المنطقة وضرب الإسلام فها هى ذى تكتب ما تريد ويُحْتَفَى به أعظم الاحتفاء ويُنْشَر لها فى المواقع الألكترونية المختلفة، بل تخصَّص لها بعضُ المواقع تخصيصا، دون أن يمنعها من الكلام والكتابة مانعٌ أيًّا كان. ولقد جمعتنى مناظرة علمية على الهواء فى التلفاز المصرى منذ بضع سنوات بأحد الزملاء من الأساتذة الجامعيين، وكان مما قلته ردا على مناظرى العلمانى (أو فلنقل بصريح العبارة: "الشيوعى" دون لف أو دوران): إن أحدا لا يستطيع أن يجبر أحدا فى الإسلام على اعتناق رأى ليس مقتنعا به حتى لو كان صاحب الرأى هو شيخ الأزهر نفسه. وأذكر أنه قد علَّق من فوره قائلا: "ما أنبل هذا الكلام!". وهل أنا بحاجة إلى أن أذكِّر القراء بالخلافات التى تقوم بين شيخ الأزهر وغيره من أساتذة الأزهر وغير الأزهر حول بعض آرائه ومواقفه التى يهاجمونها هى وصاحبها أشد هجوم وأعنفه؟ إن أشد ما أنفر منه هو هذه الأسطوانات المشروخة التى يشغِّلها لنا دائما كل من يريد أن نخرّ صُمًّا وعُمْيًا وبُكْمًا على ما يقول من آراء مارقة تصادم الدين وتحادّ الله ورسوله، فكلما رد عليه أحد العلماء المحترمين بأنه قد خرج عن الدين فى كذا وكذا هاج وماج، وثار وفار، وبدأ تشغيل الأسطوانة إياها إرهابًا لمن لا يشاطره رأيه الفطير المارق! وهل أنا بحاجة هنا أيضا إلى أن أذكِّر السادة القراء بأن الشيخ طنطاوى هو آخر من يمكن اتهامه بأنه يعادى أمريكا "لله فى لله"! الحق أنه لم يقل ما قال عن مركز ابن خلدون إلا بعد أن كانت روائح نشاطاته قد ملأت الآفاق وزكمت الآناف وخاضت فيها الصحف والمجلات!


وبالمناسبة فالدكتور أحمد صبحى منصور، الذى لا يريد أية قيود على الكتابة فى الإسلام، هو هو نفسه الذى يقول فى رده على عبد الرحيم على (أحد الذين كانوا يتعاونون مع مركز ابن خلدون ثم انقلب عليهم وهاجمهم) إن الكتابة فى القضايا الإسلامية تحتاج إلى متخصص متخرج من الأزهر لا إلى واحد مثله لا يستطيع معالجة مثل هذه المسائل بما ينبغى. وبالمناسبة أيضا فهذا الذى يدَّعِى دائما الفقر ومعاناة شظف العيش فى بلاد العم سام (السَّامُ عليه هو وعمه سام، آمين يا رب العالمين!) هو هو نفسه الذى كان يكتب جميع الدراسات والأبحاث تقريبا لمركز ابن خلدون بما يعنى ذلك من دخول الأموال التى لا حصر لها فى كرشه بصفته مستشار المركز (أَىْ فَرْخته أُمّ كِشْك!). ودليلنا على ذلك أنهم فى المركز كانوا قد أَعْطَوْا عبد الرحيم على هذا (رغم ما قالوه فيه من أنه لا يصلح للكتابة فى الشؤون الإسلامية) مبلغ خمسة آلاف جنيه تحت الحساب مقابل إعداد بحثٍ لا راح ولا جاء من وجهة نظرهم، فماذا كانوا سيعطونه على البحث حين يكتمل ويقبلونه؟ وماذا كان هو (المستشار الكبير) يأخذ لقاء ما كانوا يكلفونه به من دراسات تهاجم الإسلام وتطعن فى القرآن والحديث وكبار الصحابة وتكفِّر المسلمين على بَكْرَة أبيهم منذ الصحابة فنازلاً حتى عصرنا هذا وإلى ما شاء الله، اللهم إلا من كفر بمحمد ودينه وآمن برسول الميثاق أبى شخَّة؟ ومما له مغزاه فى هذا السياق أن ابنه الصغير جدا (حسبما كتب هو فى مقال له يخاطب فيه هذا الولد)، حين فكَّر فى القضاء على مشكلات مصر الاقتصادية، لم يخطر له إلا رقم البليون دولار قائلا إنه يمكنه أن يحل كل تلك المشاكل بذلك المبلغ، فما معنى هذا؟ إن أبناءنا حتى الكبار منهم الذى تخرجوا وأصبحت لهم مرتبات لا يفكرون فى امتلاك مثل هذا المبلغ ولا ربعه ولا عشره ولا واحدا على الألف ولا على الألفين منه، وأقصى ما يبلغه خيالهم هو بضعة عشرات من الآلاف، ومثلهم أنا فى ذلك، إذ كل إنسان إنما يتكلم عما يعرف، فما الذى عرّف الولد الصغير ابن صاحبتنا سجاح بمبلغ البليون دولار، إلا إذا كان هذا المبلغ هو من أحاديث الحياة اليومية فى بيتهم على الأقل تبعا لواقع المركز الخلدونى الذى تغدق عليه أمريكا بالملايين حسبما ذكرت الصحف وكبار الكتاب والمفكرين الذين كانوا يتعاونون معه ثم انفضوا عنه؟ ويستطيع القارئ أن يراجع المسألة فى مقال منشور بموقع المركز المذكور كتبه صاحبنا أبو 3 نبوءات (التى أدعو الله أن يقيِّض لها من يلحنها ويغنيها كما فعلوا فى أواسط الخمسينات من القرن الماضى مع أغنية: "3 سلامات، يا واحشنى، 3 سلامات"!). ومع هذا فصاحبنا يشكو مما يقاسيه الآن فى بلاد العم سام (ربنا يسمّم بدنه هو وعمه سام، عَمَى الدِّبَبَة!)، ولو لم أكن أعرف خبيئة أمره لتقطع قلبى حزنا عليه، فأنا سريع التأثر كالمنفلوطى للمساكين وأطير لمساعدتهم طيرانا لأنى كنت واحدا منهم يوما، ولظننت أنه (يا كبدى عليه!) قد اتخذ من أحد الأحواش فى جبّانة نيويورك أو شيكاغو أو فرجينيا مهجعا له ولأولاده ليلا، أما بالنهار فيقفون على باب إحدى الكنائس (الكنائس لا المساجد، لأن مثله لا علاقة له بمساجد المسلمين) يمدون أيديهم إلى الداخلين والخارجين وهم يصيحون فى صوت واحد منغَّم، وقد عصب كل منهم عينيه وربط ذراعه إلى كتفه فى صورة من الصور التى كانت تفتن الجاحظ فاضح حِيَل المُكْدِين، قائلين: "عَشَا الغَلابَى عليك يا رب"! يا لبجاسة الباجسين!


وتبقى مسألة التكفير، وأترك لسجاح عرض القضية. تقول سجاح: "ومن ملامح الكهنوت فى هجومه (أى الشيخ طنطاوى، شيخ الأزهر) تكفير مخالفيه فى الرأى، إذ أنه بعد ادعاء الاحتكار للدين، يتهم مخالفيه فى الرأى بالخروج على هذا الدين الذى احتكره لنفسه، وهو يتهمهم مرتين بأنهم "أعداء خارجون"، (ان هؤلاء جماعة خارجون وسبق أن اتهم أحدهم بخيانة البلاد) ويدعو الى مواجهتهم بقوة لأنّ ما فعلوه (وصمة عار ونكبة يجب أن يتداركها المجتمع والمسلمون) ويطالب بقوة (بمنع هذه المهاترات) و (ضرورة ايقاف مركز ابن خلدون لدورها التخريبي فى المجتمع المصري) وأنه (يجب ايقافها ومحاكمتها). وأقول جاءت هذه الفتاوى التكفيرية مصحوبة بالمطالبة بالتدخل بالقوة والمنع وانشاء محاكم التفتيش، وهنا يضع شيخ الأزهر الدولة المصرية فى مأزق: فإما أن تتدخل طبقا لفتاويه كما فعلت فى الماضي وبذلك يكسب مركز ابن خلدون عالميا، وتخسر الدولة المصرية أضعاف أضعاف ما خسرته فى غارتها السابقة على المركز، وإما أن تتجاهل الدولة فتاوى شيخها الأزهرى وتترك الفرصة للمتطرفين كي يقوموا عنها بذلك الدور، وبذلك يتكرر ما حدث فى اغتيال فرج فودة حين أصدر الشيوخ ضده– وضدي- فتاوى الردة، ثم بعد اغتيال فرج فودة أعلن أحدهم فى محاكمة القتلة أن فرج فودة مرتد ومستحق للقتل وأن القاتل افتأت على السلطة حين قتل من يجب أن تقتله الدولة. ان خطورة هذا التكفير محققة وتستهدف اغتيال د. سعد الدين ابراهيم ورفاقه، خصوصا القرآنيين. والسوابق تؤكد ذلك من حادثة فرج فودة الى نجيب محفوظ وغيرهم. وهنا فإن شيخ الأزهر د. محمد سيد طنطاوي، بشخصه، يعتبر مسئولا مسئولية مباشرة عن أى أذى يلحقه المتطرفون الإرهابيون بشخص د. سعد الدين ابراهيم ورفاقه، ويعتبر هذا بلاغا مقدما، ليس فقط للنائب العام فى مصر، ولكن لكل المؤسسات الدولية الداعية للاصلاح فى مصر والشرق الأوسط والمعنية بحقوق الانسان.

ثانيا: ان شيخ الأزهر فى اندفاعه للهجوم غفل عن حقائق علمية قرآنية وتاريخية وقانونية. انه يقول "ان توصية المركز بتنقية التراث الديني، لا سيما ما يتعلق بالحديث النبوي والسنة واعتماد النص القرآني مرجعية حاكمة وحيدة، هى دعوة صريحة لإغفال مصدر رئيسي فى الاسلام وهو السنة النبوية"
وأقول أنه:


1- ينكر أن يكون القرآن مرجعية حاكمة وحيدة .
2- يهاجم تنقية التراث والأحاديث والسنن .
3- يعتبر السنة النبوية من مصادر التشريع فى الإسلام.
ونرد عليه بإيجاز قدر المستطاع :
ينكر أن يكون القرآن مرجعية حاكمة وحيدة :


1- وهو بذلك يتجاهل قوله تعالى "أفغير الله ابتغي حكما، وهو الذى أنزل اليكم الكتاب مفصلا: الأنعام 114"، والقرآن هو وحده الذى نحتكم اليه حين نختلف، وعادة ما يحدث الاختلاف بسبب الأحاديث الضالة المنسوبة كذبا للنبي عليه السلام أو لله تعالى، ولذلك فإن الله تعالى يقول قبل الآية السابقة "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ: الأنعام 112"، فهنا يشير الله تعالى الى الوحي الشيطاني بأحاديثه الضالة المزخرفة، ثم يقول عمن يتبع هذا الحديث الضال "ولتصغى اليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ماهم مقترفون: الأنعام 113"، أى يهواها الذين لا يؤمنون بالآخرة ويفسدون فى الأرض. ثم تأتى الآية التالية لتجعل الإحتكام الى القرآن وحده فى تلك الأحاديث الضالة، "أفغير الله أبتغى حكما، وهو الذى أنزل اليكم الكتاب مفصلا: الأنعام 114". ثم تأتى الآية التالية تؤكد تمام القرآن وصدقه وعدله "وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا، لا مبدل لكلماته، وهو السميع العليم: الأنعام 115". ويدور سؤال: ماذا اذا خالف البشر جميعا آية قرآنية واحدة، وتأتى الإجابة من رب العزة سبحانه وتعالى "وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ: الأنعام 116" اذن هم يتبعون الظن بدلا من كتاب الله الذى لا ريب فيه. وعلماء الحديث يقررون أن الأحاديث تقوم على الظن، وليس على اليقين، وهم بهذا يؤكدون اعجاز القرآن فيما نبأ بما سيفعله بعض المسلمين بعد نزول القرآن، حين ينسبون للنبي أحاديث بعد موته بقرون، ويسندون تلك الأحاديث الى الصحابة الذين ماتوا بعد انهماكهم فى السياسة والفتوحات والفتنة الكبرى. ماتوا دون أن يعرفوا ماذا أسند اليهم الرواة بعد موتهم بقرون فى العصر العباسي. والحقيقة المؤسفة أن شيخ الأزهر برفضه الاحتكام للقرآن فى تلك الأحاديث أنه يعترف ضمنا بتعارضها مع القرآن ويخاف عليها من الاحتكام الى القرآن بشأنها وينحاز اليها دفاعا عنها، فيهاجم مركز ابن خلدون فى دعوته الى الاحتكام الى القرآن.


2- تنقية التراث من الأحاديث والسنن: ان شيخ الأزهر حين يهاجم تنقية التراث بأحاديثه وسننه، انما يغفل حقائق تاريخية عليه أن يعرفها ويعترف بها. فأئمة الاجتهاد فى الفقه والحديث انصب اجتهادهم على تنقية التراث الشفهى، أو الأحاديث الشفهية. فمالك انتقى كتابه "الموطأ" بأحاديثه التى تزيد قليلا على الألف حديث من عشرات الألوف من الأحاديث الرائجة فى عصره. والبخاري انتقى صحيحه "حوالى 3 آلاف حديث" من بين ستمائة ألف حديث. ومسلم لم يقتنع باجتهاد البخاري، فكتب "صحيح مسلم" بمقدمة رائعة عن الوضع فى الحديث، أو الكذب فى الحديث، و"الحاكم" استدرك على البخاري ومسلم معا. وجاء ابن حنبل فألغى أبوابا كاملة من الحديث حين قال "ثلاثة لا أصل لها، التفسير والملاحم والمغازي". بل إن ابن حنبل ألغى "الإجماع" من مصادر التشريع لدى المسلمين حين قال "من ادعى الاجماع فى شيئ فقد كذب، ومن أدراه أن الناس قد اختلفوا، وهو لا يعلم؟"، ثم جاء الحنابلة أتباع ابن حنبل، فأكثروا من وضع الحديث، ومنها حديثهم المشهور "من رأى منكم منكرا، فليغيره". وقد تصدى لهم أئمة الحنابلة أنفسهم، ومنهم ابن الجوزي فى القرن السادس، فى كتابه "اللألئ المصنوعة فى الأحاديث الموضوعة"، وابن تيمية فى القرن الثامن فى كتابه "أحاديث القصاص"، وابن القيم صاحب ابن تيمية فى كتابه "المنار المنيف فى الصحيح والضعيف"، ثم السيوطي فى القرن العاشر فى كتابه المشهور عن الموضوعات فى الحديث. وحتى عصرنا الراهن كتب الألباني (وهو فى الأصل ساعاتي من البلقان) كتب موسوعته فى الأحاديث الضعيفة، وكل ذلك فى نفس الإطار "تنقية الأحاديث، أو تنقية التراث"، وقد قام بها علماء من خارج الأزهر قبل وبعد انشائه.


على أن علماء أجلاء من الأزهر قاموا أيضا بنفس الدور ، فالشيخ محمد عبده فى تفسيره أنكر الشفاعة وأنكر علم النبي بالغيب، محتكما فى ذلك الى القرآن العظيم. وصار على نهجه الشيخ شلتوت، شيخ الأزهر، فى كتابيه "الفتاوي، والاسلام عقيدة وشريعة" وان لم يقترب من عبقرية الإمام محمد عبده. ولا ننسى جهد أستاذ المحققين أحمد أمين فى كتبه "فجر الإسلام، ضحى الإسلام، ظهر الإسلام". والى عهد قريب كان يقال أن هناك لجان فى الأزهر لتنقية التراث، وكان أولى لشيخ الأزهر د. طنطاوي أن يقوم بهذا العمل، ليس فقط خدمة للإسلام، واصلاحا للمسلمين بالإسلام، ولكن أيضا لأن ذلك ما يمليه عليه واجبه الوظيفي. ان قانون الأزهر يفرض على أساتذة الأزهر "تجلية حقائق الاسلام" وهذا يعني أن هناك حقائق اسلامية خفية يجب اظهارها، وأن هناك أباطيل منسوبة للإسلام يجب كشفها وفضحها وازالتها، والمعيار فى ذلك هو الميزان الكتاب الفرقان القرآن العظيم. ولكن شيخ الأزهر لم يتقاعس فقط عن هذه المهمة، وانما تطاول على المجتهدين الذين تطوعوا للقيام بهذا العمل حبا فى الاسلام، واصلاحا للمسلمين.
3- ان شيخ الأزهر يعتبر السنة "سنة البخاري وغيره" من مصادر التشريع فى الاسلام وهذا خطأ فى التعبير، فهل يعقل أن تظل مصادر التشريع فى الإسلام ناقصة الى أن يأتي البخاري وغيره بعض موت النبي بقرون ليكملوها؟ وماذا نفعل بقوله تعالى "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الاسلام دينا: المائدة 3" ان العبارة الصحيحة هي: ان القرآن الكريم هو المصدر الوحيد للتشريع فى الاسلام، أما المسلمون فقد أضافوا له مصادر اخرى توسعت بها الفجوة بينهم وبين الاسلام، وكان من بين تلك المصادر الأحاديث والسنن، وكلهم مختلفون فيها جزئيا وكليا. ان تلك الأحاديث ليست جزءا من دين الاسلام وأولئك الذين يعتبرونها جزءا من الاسلام، انما يتهمون النبي عليه السلام بأنه لم يبلغ الدين كاملا وبأنه فرط فى تبليغ هذا الجزء وهذا اتهام نرفضه، لأنه عليه السلام بلّغ الدين كاملا، وهو القرآن العظيم المحفوظ الى يوم القيامة. ولتأكيد هذا فإنني أورد تلك الحقائق الاسلامية لتذكير شيخ الأزهر وغيره:
1- أن القرآن الكريم وحده هو الحديث الذى يجب الايمان به وحده "أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيث¡