بعد أن تمّ التطرق للعلمانية الفرنسية الكفاحية التي وُضعت على أسس فكرية، وبعد التنويه للعلمانية التي أحسسنا بتطبيقها عفوياً أيام القائد الخالد جمال عبد الناصر، ستـُـعَرّف هنا (العلمانية)، ولن يكون الأمر سهلاً... فالعلمانية في مجتمعاتنا مجهولة أو مُشكّك بها، كونها غير مُتداولة... إذن لتعريف (الـعـلـمـانـيـة) سيُستعان "تجاوزاً" بتعريف (الــمــاء).
الــمــــاء :
مادة طبيعية لا حياة ممكنة بدونها إلاّ للأعشاب السيئة، عرفه الإنسان في المحيطات والبحار والأنهار والبحيرات والينابيع، لاحظه من خلال الأمطار والثلوج والآبار، ميـّز العذب منه والمالح، الصافي والعكر، المعدني والطبيعي. فهم الإنسان (أن الماء هو العامل الوحيد الذي يُطفئ الظمأ)، فأشغل عقله وانتقى الماء الأقل تعكراً والأكثر عذوبة ليشربه... تطوّر عقل الإنسان ففكّر بتصفية الماء، بتكريره، بتنقيته، فبالحفاظ عليه بوسائل تطورت من دلو بئر، لـ جرّة، لـ خابة (جرّة قروية كبيرة لحفظ الماء مُبرّداً بكمية معقولة)، لخزّان، فلقوارير وقنان زجاجية أو بلاستيكية.
إذن، يجوز تعريف الماء بـ (سائل مُطفئ للظمأ بلا لون ولا رائحة ولا طعم)، لكنه قابل للتّكيّف وفق رغبة الإنسان، فبمجرد إضافة مادة له، كعصير الليمون مثلا، يتحوّل الماء لسائل بلون أصفر كاشف وبرائحة ليمونية منعشة وبطعم حمضي خفيف ممتع، ويمكن للإنسان أن يعايش الماء مع كل الألوان والروائح والأطعمة، كما يمكن إضافة الماء لطبق مليء بما يشتهي الإنسان أكله من لحم وخضار، ليتمتع بما يرى وليتذوّق ما يأكل.
باختصار يمكن تسمية الماء بـ (سائل سلس يتكيّف وفق رغبات ونزوات الإنسان) دون الرجوع لأي نص مكتوب، باستثناء ما ورث من مأكولات ومشروبات من أسلافه أو الاستفادة من تجارب الآخرين... كما يجوز لـلإنسان (ابتداع ووضع أطباق حسب تطور ذوقه ومخالطة نُظرائه ويمكنه كتابة طرق استعمالها)... يمكننا استنتاج أن كل "ما لا لون ولا طعم ولا رائحة له" ليس سيئاً بالضرورة، بل يمكن اعتباره حياديا.
الــعـــلـــمـــانـــيـــة :
لا شكّ أنّ تعريف العلمانية أكثر صعوبة من تعريف الماء، فالماء عنصر حيوي معروف ومقبول من كل شعوب الإنسانية، أمّا العلمانية، فلكونها مجهولة، ثم لأنها شـُوِّهت من معظم العقائد والمعتقدين، وخصوصاً ممن يـَـؤُمّون أمتنا العربية... تعرّضت لتعريفات عشوائية من قبل نـُخب دينية وسياسية وأكاديمية وإعلامية، بما يتناسب مع معتقدات ومفاهيم ومقاييس كل منها.
- قـيـل عن العلمانية :
أنّها (دين إلحادي)... وكم هو تجاوز اعتبار العلمانية معتقداً، فلا إله لها ولا رسول ولا نص روحي، غير مُنزّلة، بدون كهنوت أو رجال دين أو دعاة أو مبشرين، فكيف تكون دينا ؟... بيد أنه في ظلها يمارس كل مـُتدّين شعائره، ويحتمي الملحد وغير المؤمن، وبالتالي فهي (ليست إلحادية) بالمعنى الديني للكلمة، بل وصفها بـ إنسانية غير دينية وغير متطرفة يعتبر أكثر دقة.
- وُصِـفـت العلمانية :
بأنّها (عـلـم)... وكم هو ساذج وصفها بـ علم، فالعلم إدراك ويقين ومعرفة بالشيء نظرياً وتطبيقياً... له مبادؤه وأسسه وتقنياته، يحتاج لبحوث معمّقة في كل مظاهر الحياة كالرياضيات والجيولوجيا والفيزياء والكيمياء والتكنولوجيا والطب وعلوم الاجتماع والتاريخ والاقتصاد والسياسة... إنّ العلمانية بعيدة عن كل هذه العلوم، لكنّ اعتبارها مشجّعة لكل تقدّم علمي هو الوصف الأكثر دقة.
- نـُـعِـتـَـت العلمانية :
بأنّها (نظام سياسي)... إنه وصف مغالط للواقع، فالأنظمة السياسية في عِلميِّ السياسة والقانون مقسمة لملكية وجمهورية، لرئاسية وبرلمانية، لشمولية وديمقراطية... الخ، أما العلمانية فتتلاءم وتتماشى مع كل هذه الأنظمة، فهي على سبيل المثال، جمهورية في فرنسا وتركيا وإيطاليا، و ملكية أو إماراتية في بلجيكا وهولندا وإسبانيا ولوكسمبورغ، و شمولية في الصين وروسيا وفنزويلا.
وُصفت وتوصف العلمانية من بعض علماء الأديان ومن المكبوتين جنسيا (وما أكثرهم ببلادنا، عُـزّاباً ومطلقين وأحياناً متزوجين) بأنها إبــاحــيــة : يَعْنـُون أنها تُبيح المحرمات الخلقية... وهنا كذلك خطأ فادح للمفهوم، فكونها (سلوك) من وضع الإنسان، تتلاءم مع تراث وتربية وحضارة وثقافة وتركة كل مجتمع على كل الأصعدة، الخلقية والدينية والعاداتية والموروثة... تـُصنـّف إبــاحــيــة وفق معاييرنا ومقاييسنا، وتـُـعتبر تعاملاً غرامياً جسدياً كممارسة عادية مُعلنة لا سرّيّة ولا باطنية في مجتمعات أخرى ذات معايير مخالفة... "الإباحية" تمارس سراً عندنا، بينما تتميّز بالشفافية عندهم... وهنا المفارقة !
ولــكــن كـيـف تـــُعـَــرّف العــلــمــانـــيـــة ؟
Secularism بالانكليزية، Laïcité بالفرنسية، العلمانية بالعربية، تعني لغوياً (ســــلـــوك دنــيــوي) لا دين له ولا نظام ولا علم... مع مصدر وحيد لمحرّماته، هو [ القانون الوضعي ]، أما تعريف المُــعــايــِـش لها، لا المتعايش معها بالضرورة، فهو :
العلمانية هي (سلوك شخصي ومبدأ جماعي مُحايد)، يلتزم فيه مجتمع ما، بكل أفراده، على اعتبار الإنسان هو الواضع الوحيد لكل الدساتير والقوانين الإنسانية، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتعاملية، والمستفيد منها، دون رجوع لأي نص ديني أو أدبي مكتوب أو منقول أو مُتعارف عليه، ودون رفض لكل تلك النصوص إن كانت تتوافق مع مصلحة المجتمع.
* لا تسيير لشؤون الناس إلاّ بما وضعه الإنسان نفسُه لنفسه، فهو الذي يعـقـل ما يحتاج إليه (اليوم وغداً)، بينما يشكّ بما نـُقـِـل.
* تغيير وتطوير وتحديث حياة المواطن يجب أن يكون سـلوكاً يهدف لازدهار وأمن حياة المُواطن والمجتمع والإنسانية.
* مبدأ العلمانية يتأقلم مع كل أطياف المجتمع الواحد، بكل معتقداتها الروحية وخصوصياتها العرقية المتطابقة مع ما هو موضوع.
إنه المبدأ الذي يتيح للحرية أن تنتعش وللديمقراطية أن تفرض نفسها.
باختصار نزيه : لا تعريف مُسَـمّـر للعلمانية بسبب وجوب وضرورة وحتمية تحديثها، وفي كل الأحوال تبقى (المظلة التي تـَؤوي جميع المواطنين، والمُواطـَـنة الحيادية والتّـعامل الأفقي بين كل الأديان والطوائف والأعراق دون تمييز)... فهي لا ترفض التركات الخلقية والتعاملية الموروثة، حتى التقليدية منها، كالإيمان بالله، والزواج، والطلاق والوفاء بالزوجية أو انعدام هذا الوفاء، طالما هناك اتفاق بين شخصين "بلا عنف ولا اغتصاب"... تضمن العلمانية حرية الاختيار، كل اختيار... وتكفل حرية العيش الأسري والمجتمعي... شريطة ألاّ يتعارض مع القانون... فالدستور فوق كل الاعتبارات الأخرى، بيد أن تغييره من ممثلي الشعب المنتخـَبين أو باستفتاء مباشر من الشعب، أمر حتمي تختاره النخبة الحاكمة بإرادة الشعب.
إذن، مبدأ العلمانية ليس ضد أي دين أو طائفة أو عرق، وفي نفس الوقت، لا يهرع وراء أيّ ٍمنها، تحاشياً لتحول النظام السياسي إلى كتلة صماء دينية أو طائفية أو عرقية... إنه مبدأ فرض الإنسان نفسه بكفاح ضد التمزق الاجتماعي والهيمنة الدينية على كل مسارات الحياة، كما حدث في فرنسا بعد حروب دامية وقعت بين الطوائف المسيحية بتحريض من الكنيسة التي كان كهنوتها الموجّه الوحيد لسياسيي تلك الحقبة، كما نـُوّه عنه في المقالة السابقة... مبدأ العلمانية يحثّ الإنسان على حرية التفكير والبحث والدراسة والملاحظة، ليُنجز قوانين تتلاءم مع واقع حياته الآني، وليقوم بإلغائها أو تطويرها لصالحه الآني... إنّ مبدأ العلمانية لا يؤمن بديمومة الواقع الإنساني.
****
لعل ما يُدهش نسبياً، هو ظهور مفكرين مسلمين يدّعون العلمانية المؤمنة، إنه لمُبهر أن يعتبر (القرآنيون) أن الإسلام هو أول من رفع راية العلمانية... فهم يرون أن دولة الإسلام ليست دينية بل مدنية، هدفها إقامة العدل، لا إدخال الناس الجنة بالإكراه ولا فرض حد الردة وتغيير المنكر بالقوة... يعتبرون أن الدولة الإسلامية الحقيقية هي دولة علمانية تفصل الدين عن شؤون السياسة، يبنون فكرتهم على أن الإسلام خال من كل كهنوت ورجال دين، كون العلاقة مباشرة بين العبد وربه، بلا وسيط... يطلقون على مبدأ تسيير الحكم الإسلامي [العلمانية المؤمنة].
يعتقد القرآنيون أنّ الأمة مصدر السلطات أي أن الحاكم لا يستمد سلطته من الله وإنما من الشعب، يؤمنون بأن لا وجود لـ حاكم بالمعاني المألوفة سياسياً، لا المستبد المناقض لشريعة الإسلام، ولا المنتخب بمفهوم حرية التمثيل الانتخابي الغربي، فلا تمثيل للشعب في الإسلام كما يؤكدون... يعتبر القرآنيون أنّ الدولة هي الشعب، بمعني أن الشعب هو الذي يحكم نفسه بنفسه في نظام يقوم بإدارة الحكم فيه (أولو الأمر)، وأولو الأمر بالمصطلح القرآني، وفق رأيهم (هم أصحاب الشأن والخبرة والاختصاص في الموضوع المطروح بحثه وتنفيذه)، حيث يتعذر على جمهور المسلمين أن يتخصصوا في كل شيء، وطاعتهم واجبة لكن "في حدود تخصصهم" وفى إطار طاعة الله وما ورد في "القرآن"... والقرآن الكريم وحده.
يُجزم القرآنيون أن العباسيين هم الذين ابتدعوا نظرية (الحكام هم أولى الأمر)... يستشهدون بـ البيعة كديمقراطية مباشرة في كل حي وقرية ومدينة، وحضورها فريضة عينية علي كل إنسان (ذكر أو أنثى)، ولا يجوز الاعتذار عنها إلا بسبب قهري... يفسّرون أنّ البيعة في القرآن ليست لحاكم وإنما على التمسك بالإسلام والجهاد حين يتعرض للخطر، ونظرية القرآنيين تذهب إلى حد تشبيه الديمقراطية الإسلامية المباشرة بنظام الدولة السويسرية المعاصرة !
يرى القرآنيون أن الرسول ما كان حاكما، كون الخطاب الإلهي كان يُوجّه مباشرة للمؤمنين ليحكموا أنفسهم، ويرون أن القرآن لم يذكر كلمة "حاكم أو حكم" في أي من تفصيلاته التشريعية بل جاءت بمعنى التقاضي بين الناس في الدنيا، وليس الحكم السياسي، أي - الحكم (بين) الناس - وليس حكم الناس، ويستشهدون بآية النساء 58 [ وإذا حكمتم "بين" الناس أن تحكموا بالعدل ]، لا إذا حكمتم الناس... يُعرّف القرآنيون (الديمقراطية الإسلامية) بأنها العدل السياسي لعدم شرعية انفراد شخص أو أسرة أو حزب أو قبيلة باحتكار السلطة والثروة، رغماً أو نيابة عن الشعب... إنه تفسيرهم واحترامه مفروض.
يمكن الاستنتاج مما سبق عرضه أنّ (الماء) يُطفئ الظمأ والحرائق... وأنّ (العلمانية) تطفئ التطاحن المجتمعي العرقي واديني والطائفي... وأنّ كل (ما ليس له طعم ولا رائحة ولا لون)، ليس ضاراً أو سيئاً.