لاشك ان الظاهرة البراديعية هى الاقوى اعلاميا منذ عودة الدكتور محمد البرادعي الى مصر منهيا عمله في هيئة الطاقة الذرية واعلانه عن عزمه ترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية القادمة ـ اذا توافرت له مقومات معينة ـ وبالتالي اصبح للبرادعي رجال في مصر استقبلوه والتفوا حوله .. آملين ان يكون هو البديل المنطقي على الاقل من وجهة نظرهم .. خاصة وانهم فقدوا اي امل في وجود زعيم محلي قادر على المنافسة وليس الترشيح فقط ..
رجال البرادعي اغلبهم نجم اعلام وسياسة معروفين للعامة والخاصة وكذلك توجهاتهم وانتماءاتهم الحزبية والسياسية .. الا ان صفة الاستقلالية كانت الاكثر تواجدا خاصة في اهم الشخصيات التي اعلنت مساندتها للبرادعي منذ الوهلة الاولى مثل حمدي قنديل وحسن نافعة وعلاء الاسواني وغيرهم .. بالاضافة الى وجود ممثلين ورموز من بعض القوى السياسية والحزبية فيما بعد .. وتبقى شخصية المنسق العام والمقرر للحملة الشبعية للبرادعي المدعو الشاعر يوسف عبدالرحمن ..
ويوسف عبدالرحمن هو ابن الدكتور يوسف القرضاوي العالم المجدد الوسطي رئيس الاتحاد العالمي للمسلمين صاحب الشهرة والمصداقية لدى غالبية المسلمين السنة .. ويوسف هو ابنه من زوجته الاولى المصرية لان الشيخ تزوج عليها فتاة جزائرية .. هذه الزيجة التي كان لها اثر في العلاقات بين افراد اسرة الشيخ ..
والابن من مواليد عام 1970 واحترف الشعر وله عدة دواوين منشورة معظمها اما ذما في السلطة والقيادة المصرية .. واما مدحا في امين حزب الله حسن نصرالله ..
والغريب ان الابن خرج من عباءة ابيه .. بل رفض اسم ابيه .. ويصر على عدم اقتران اسمه الشيخ الكبير .. فلا يقول انه عبدالرحمن القرضاوي بل دائما ما يكتب اسمه عبدالرحمن يوسف .. رغم انه شاء او رفض فان اسم ابيه وشهرته فتحت له ابواب الشهرة والنجومية داخل مصر .. ليس هذا فقط بل ان شهرة ونجومية الاب وفرت حماية للابن من بطش الاعداء والمتربصين .. والا ما استطاع ان ينشر ما نشر من قصائد كان معظمها يعد قذفا وسبا مباشرين في السطلة المصرية ..
ومع ذلك فان عبدالرحمن كان مصرا على ان يكون الشعر مدخلا لعالم السياسة كوسيلة .. وليس هدفا او مهنة يرى انها حاضره ومستقبله .. فقد استخدمه منذ البداية في تكوين شخصيته السياسية المخالفة لنهج واحدة على طول الخط .. وكأنه يسعى بكل قوته ان يقول للعالم انا غير والدي .. او انا عكس والدي .. سواء كان ذلك عن قناعة بالاتجاه المعاكس او عقابا للاب على افعال ربما يرى الابن ان ذنوبا ..
انضم عبدالرحمن الى حركة كفاية .. لانها الاتجاه الانسب الى شخصيته الحادة التي تقف على حافة المعارضة .. وان الصوت العالي جدا المتمثل في الاحتجاجات والمظاهرات التي انتهجته كفاية هو نفس الاسلوب الذي يهواه عبدالرحمن في التعبير عن ارائة في الشعر .. فاراد ان يكون نفس الاسلوب في ممارسة المعارضة السياسية في الشارع ..
وكان ديوانه الذي اهداه الى حسن نصر الله مشيرا فيه الى انه كتبه وهو في طريقه لزيارة جنوب لبنان .. وكذلك ما فيه من قصائد تمدح وتمجد بطولات نصر الله .. بالاضافة ثورة الشيخ القرضاوي على الشيعة واتهامهم بانهم يسعون الى نشر المذهب الشيعي في الدول العربية .. كان ذلك سببا في اعلان مصادر شيعية في لبنان ان عبدالرحمن يوسف قد اعتنق المذهب الشيعي .. مفسرين غضب الشيخ وثورته على الشيعة بانها بسبب تشيع ابنه وليس لوجود مخطط .. والغريب انه مع انتشار الشائعات والاخبار حول تشيع عبدالرحمن الا انه لم ينفي او يثبت الخبر ولكنه اكتفى باصدار بيان يؤكد فيه ان مسألة تشيعه من عدمه ماهو الا امر شخصي لا يهم احدا .. وهو تفسير غريب كونه شاعرا وعضوا نشطا في حركة سياسية بمعنى انه اصبح شخصية عامه .. ويحق للناس معرفة توجهاته السياسية والدينية .. خاصة اذا كان ابن علامه كبير في العالم الاسلامي السني ..
وجاءت المرحلة البراديعية .. وكان من ضمن مفاجاتها وجود عبدالرحمن على رأس الحملة الشعبية للبرادعي في مصر .. والمفارقة في الحكاية ان البرادعي يعد على النقيض من افكار عبدالرحمن التي تجنح الى اليسار .. خاصة ليبراليته الغربية المتشبع بها .. مما يجعل السؤال ملحا : لماذا اختار البرادعي عبدالرحمن ليكون احد عرابيه ؟ .. بل ان السؤال ربما يكون : لماذا اختار عبدالرحمن البرادعي ليكون منسقا لحمتله ؟
في الحالتين الاجابة ربما تكون عند عبدالرحمن .. لان الدكتور البرادعي يحتمل ان يكون الامر جاء في اطار سعيه لجمع اكبر عدد من مثقفي مصر حوله ولامانع ان يكون شاعرشاب متحمس في مقدمة الصفوف خاصة اذا عرض عليه خدماته المخصله .. كمعارض للنظام . ولكن هذا ايضا يعطى الحق في طرح سؤال آخر : هل تعجل البرادعي في الاعتماد على ان يكون عبدالرحمن احد رجاله ؟ خاصة وانه بعيد نوعا ما عن استقلالية باقي فريقه من رجال الاعلام والسياسة .. ومع ذلك فربما كان البرادعي معذورا او مجبرا او مستسلا للاختيار .. ولكن هل كان الامر كذلك لعبدالرحمن .. ؟
الامر مختلف تمام .. لان عبدالرحمن سعى الى ذلك استكمالا لتوجهه الحاد في المعارضه .. وربما ايضا جاء اختياره لنصره رجل يمثل الاب البديل الذي يرى فيه ما لم يجده عند والده او منه .. على الاقل من وجهة نظره ..
عموما فانه مهما اصر عبدالرحمن على عدم ارتداء عباءة ابيه .. فانه محسوب عليه .. هو وافعاله خاصة وانه ارتضى ان يكون دائما في صفوف المعارضة الاولى انتسابا وممارسة بما يعنى ان المواجهه مع الدولة دائما ما تكون قريبة جدا .. وايضا مما خلع عباءة ابيه الاسلامية وحاول ان على النقيض تماما حتى لو عزف على الجيتار التي يهواه فان تصرفاته ستحسب على الاب مهما كان الامر ..
كل هذه الحسابات والمخاطر التي يمكن ان تحسب على الشيخ القرضاوي بسبب توجهات وافعال واقوال ابنه ضد النظام .. من المحتمل ان يمثلها ايضا على الدكتور البرادعي كونه المتحدث نيابة عنه او المنسق لحملته الشعبية .. لان البرادعي له اسلوبه الهادئ الذي اختاره كوسيلة لتحقيق اهدافه منذ الوهله الاولى للاعلان عن نيته في ترشيح نفسه رئيسا لمصر .. واكد على ان ادواته الصوت الهادئ العاقل المتزن .. صاحب المصداقية الدولية والمحلية .. بناء على خبرته وتعامله مع المجتمع الدولي طوال فترة عمله في الخارج .. اضافة الى ان الناس داخل مصر تنظر الى انه المخلص المنتظر بدون حروب او معارك .. اللهم الا التفاف الناس حوله.. وتحقيق الاهداف بالضغط الشعبي على النظام ..
فهل شخصية عبدالرحمن يوسف القرضاوي لديها من الامكانات والسمات ما يمكن ان يساهم في تحقيق اهداف البرادعي على طريقة الهادئة التي لا تعرف التصادم القوي مع الاخرين .. ام انه سيعجل بالصدام القوي مع السلطة ؟
ربما يكون توجه الدكتور البرادعي واعلانه بانه يأمل ان يكون الشباب هم السند في المرحلة القادمة بوابة عبور عبدالرحمن الى حملته .. الا ان الاختلافات في الشخصية والتوجه كبيرة جدا حتى مع تهوين عبدالرحمن لها على اعتبار ان البرادعي مرشح مرحلة يحتاجها كل التوجهات السياسية .. الا ان اي عمل مهما كان لن يكتب له النجاح الا اذا توافرت له مقومات اساسية من اهمها التوافق في الرؤي والتوجهات والاهداف ..
فهل ينجح الشاب الذي يصر على خلع عباءة ابيه ويصر المجتمع على ان يلبسها له غصبا عنه .. ام تكون تجربته محاولة جديدة لاثبات انه عبدالرحمن يوسف وليس عبدالرحمن القرضاوي ؟
عموما كلها اسئلة اجابتها ستكون قريبه مع اول صدام للبرادعي مع السلطة في اول لقاء جماهيري .. بالتاكيد سيكون عبدالرحمن في الصورة وساعتها سيكتشف احدهما انه اخطأ لانه استعان بالاخر لتحقيق اهدافه