Hyde Park Writer since:
09 August 2007

مصرى يهوى الكتابة

ومضــــــات المــــــرات الأولــــــى

قال لنا مدرس الجغرافيا أن الأرض كروية .. أنصت الولد .. أراد أن يرى تكور الأرض رأي العين .. في فناء المدرسة وضع خده على الأرض .. أغمض عينا ً و فتح الأخرى .. فرح لما رآها غير مستوية و هُيأ له أنها محدبة .. عرف أن معلمه على حق و اطمأن عقله وصدق بعد شك وحيرة !!
فسلام على إبراهيم .. من علمنا الحيرة في طلب العلم..
( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربِي فلما أفل قال لا أحب الآفلين / فلما رأى القمر بازِغا قال هذا ربِي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربِي لأكونن من القومِ الضالين / فلما رأى الشمس بازِغة قال هذا ربِي هذا أكبر فلما أَفلت قال يا قومِ إِني برِيء مما تشرِكون - أنعام 76/78)
( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة - الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم)

لما قابلته لأول مرة سألني بغتة صارخا ً مدهوشا ً : كيف لقطرات تلقيها في جسم زوجتك تمكث حينا ً معلوما ً ثم تتحول إلى إنسان ؟!
انسان يفكر و يسعى .. يحب و يحسد .. يسعد و يكتئب.. يكذب و يصدق .. يقسو و يلين..انسان يقول : "أنا" ؟!
 فلم أحر "أنا" جوابا ً !
( فلينظر الإنسان مم خلق / خلق من ماء دافق / يخلق من بين الصلب و الترائب -الطارق 5/7 )

قالت لنا المدرسة .. ضعوا حبات الفول و الحلبة في قطن مبلل بالماء .. فانظروا ماذا ترون.. ففعلنا !
و جنب شباك المطبخ رأيناها لأول مرة .. حبات فول غامقة صلدة كالحصى .. تنفلق و تلين يوما ً بعد يوم و يخرج منها برعما ً أخضرا ً زاهيا ً لونه كأنه يبتسم..
( وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا بِه نبات كلِ شيء فأخرجنا منه خضرا نخرِج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتَبِها وغير متشابِه انظروا إِلى ثمرِه إِذا أثمر وينعه إِن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون -أنعام 99)

رأيت زملائي يبتاعون ما يسمى دود القز من بياع يقعد على الرصيف أمام باب المدرسة .. يضعها في علب أحذية من ورق مقوى .. نصحني الناصحون أن أثقب العلبة حتى لا يموت الدود في طريقي إلى المنزل .. ولم يكن يشغلني هاجس الطعام .. فأمام شرفتنا شجرة عتيقة من أشجار التوت تشرئب بأوراقها الندية.. و لأيام ظللت أرقب الدود الأبيض و هو يلتهم الأوراق من حوافها كالمنشار ..و بعد انقضاء وقت معلوم اختار ركنا ً في العلبة و بدأ ينسج خيوطا ً حريرية .. ثم اختفى أياما ً داخل شرنقة الحرير .. لتخرج فراشة بنية اللون  !
فأين الخارج من الداخل  ؟!
( ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين -المؤمنون 14)

خدعتني أمي في أول يوم دراسي عند ذهابي للحضانة .. دخلنا فناء المدرسة حيث حديقة الأطفال ثم أقعدتني علي دكة خضراء لامعِة .. و طلبت مني أن أنتظرها "هنا" حتى تشتري اللبن .. فصدعت بالأمر .. ثم جاءت المدرسات يتضاحكن و عبثا ً حاولت أن أشرح لهن قضيتى : أني قاعد  "هنا" كي أنتظر أمي ..و لما تكرر الأمر في لاحق الأيام .. أيقنت بالحيلة .. فلم تغنني الأراجيح و لا الزحاليق و لا بيوت جحا  عن إحساسي المرير بالخديعة شيئاً ..
 فهل حقا ً خدعتني أمي؟!
(و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئا ً و هو شر لكم و الله يعلم و أنتم لا تعلمون - البقرة 216)

أول مرة شممت فيها رائحة الأرض .. كان ذلك عند زيارتي لأهل أبي في تلك القرية الشمالية على تخوم الدلتا .. لها ضوع غريب .. يثير كوامنا ً ما ظننت يوما ً أنها فيّ .. تنبعث إذ يسري الماء في عروق الأرض ..
الماء و الأرض .. أصلي و منبعي .. الآن عرفت سر انجذابي !
( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارةً أخرى -طه 55)

في إحدى المحميات الطبيعية في قارة أمريكا الشمالية .. على جزيرة وسط جزر نصبنا الخيمة أنا و صاحبايا .. و قبيل الفجر سمعت أصواتاً عجبا ً .. لم أسمع مثلها قط .. تأتي من بعيد .. نداءات الطيور و الدواب .. لا تعرف الصوت من صداه .. تغريد و هديل يأتي من كل الجهات .. و حفيف أوراق الشجر يملأ الكون .. و تنهدات من الماضى السحيق تؤنسك .. أصوات هي الجلال و الجمال معا ً تلف المكان ..هذا أوان السعي إذ  يتنفس الصبح.
( وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم - العنكبوت 60  )   

عند خروجي من الجامع الأزهر لأول مرة طفلا ً بمصاحبة أبي .. رأيته .. رجلا ً كفيفا ً أبيض العينين كأعمى موبسّان يلبس أسمالا ً بالية.. ناولني أبي قرشا ً - وكان ذا قيمة أيامئذ - و طلب مني أن أعطيها للمتسول .. فلما أحس بملمس العملة نزع يده كأنما مسه ثعبان .. رجعت إلى أبي خائفا ً متسائلا ً لماذا ؟ أليس فقيرا ً سائلا ً !؟
فأجاب أبي متأثرا ً : إنه ليس المال ما يسأل !
( ما عندكم ينفد و ما عند الله باق - النحل 96 )

في سنتي الجامعية الأولى .. طلبت من صديقي الطالب بكلية طب قصر العيني أن يريني المشرحة !
و هناك رأيت الموتى لأول مرة .. الجثث مسجاة على الطاولات .. اللون بنيّ غامق .. لها شكل الموميات الفرعونية .. أمامي .. الآن .. و رائحة " الفورمالين " تملأ المكان ..
و في ركن قصىّ من المشرحة حوض الجثث .. حيث تُنقع الأجساد في محلول الفورمالين .. ولما يحين دورها .. ينتشلها عامل المشرحة من قاع الحوض .. يسكن قليلا ً ممسكا ً بالجثة على حافة الحوض ليصفي المحلول منها .. ثم يضعها على المنضدة ذات العجلات !
فيا أيها الإنسان ..
 ( يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم / الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك- الإنفطار 6 )


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز